كتب

مبادرة «نقش» بسيهات: كيف تحوّلت مكتبة صغيرة إلى حاضنة ثقافية للأطفال؟

في أحد الأحياء السكنية بمدينة سيهات بالمنطقة الشرقية، انطلقت مبادرة ثقافية بسيطة حملت اسم «نقش» قبل سنوات، لتأخذ طريقها من مشروع متواضع لتوصيل الكتب إلى بيوت المهتمين بالقراءة، ثم تتطور تدريجياً حتى أصبحت اليوم فضاءً تعليمياً وثقافياً متكاملاً يستقبل الأطفال وأسرهم، ويقدّم لهم برامج متنوعة في القراءة والكتابة الإبداعية وصناعة الحكايات.

البداية: فكرة توصيل الكتب

بدأت فكرة المبادرة من ملاحظة بسيطة، إذ لاحظ القائمون عليها أن كثيراً من الأسر في سيهات والمناطق المجاورة ترغب في اقتناء الكتب، لكنها تواجه صعوبة في الوصول إلى المكتبات المتخصصة أو تفتقر إلى الوقت الكافي لزيارتها بانتظام. ومن هنا، وُلد مشروع توصيل الكتب إلى المنازل، بحيث يستطيع القارئ طلب الكتاب عبر قنوات تواصل بسيطة، ويصله في وقت قريب.

سرعان ما تحوّلت هذه الخدمة إلى مجتمع صغير من القراء، وبدأ يظهر أثرها في تعرّف الأطفال على عناوين جديدة، وإقبال الأسر على تنظيم أوقات قراءة مشتركة.

التحوّل: من توصيل إلى حاضنة ثقافية

مع توسّع قاعدة المستفيدين، أدرك القائمون على المبادرة أن توصيل الكتب وحده لا يكفي، وأن الأطفال بحاجة إلى مساحة آمنة يتفاعلون فيها مع النص والمؤلف والرسوم والصوت. هذا الإدراك دفعهم إلى تأسيس «حاضنة نقش» الثقافية، وهي مساحة تقدم للأطفال مجموعة من الأنشطة، من أبرزها:

  • جلسات قراءة جماعية موجَّهة بحسب الفئة العمرية.
  • ورش كتابة إبداعية لتدريب الأطفال على بناء الشخصيات والحبكة.
  • ورش رسم وتلوين مرتبطة بمحتوى الكتب المقرؤة.
  • أمسيات عائلية تجمع الأطفال وأولياء أمورهم في حوار حول الكتاب.
  • مشاركات موسمية في معارض الكتب والمهرجانات المدرسية.

لماذا أصبحت «نقش» رائجة هذا الموسم؟

عاد اسم المبادرة إلى واجهة الاهتمام خلال عام 2026 بعدة عوامل متشابكة، أبرزها:

  • اهتمام الإعلام المحلي والصفحات الثقافية في المنطقة الشرقية بتسليط الضوء على المبادرات الأهلية الناجحة.
  • تصاعد الاهتمام السعودي العام بقطاع الثقافة، وما يرافقه من دعم للجمعيات والمبادرات الصغيرة التي تعنى بالقراءة المبكرة لدى الأطفال.
  • دور المبادرات الأهلية في تعزيز مفهوم «المكتبة القريبة من البيت» في المدن التي تفتقر إلى مكتبات عامة متخصصة بالأطفال.

أثر المبادرة على الأطفال والأسر

يلاحظ المتابعون لحاضنة «نقش» أن أثرها يتجاوز القراءة ذاتها إلى بناء عادات اجتماعية وثقافية. فالأطفال الذين يشاركون بانتظام في ورشها يكتسبون ثقة أكبر في التعبير، ويتعودون على العمل الجماعي، كما يجدون في الكتب متنفساً للخيال بعيداً عن الشاشات. أما الأسر، فتجد في هذه المساحة فرصة لتجديد علاقتها بالقراءة، خصوصاً أن كثيراً من الأهالي يقرؤون مجدداً رفقة أبنائهم بعد سنوات من الابتعاد عن الكتاب.

دور «نقش» في المشهد الثقافي السعودي

تأتي مبادرة «نقش» بسيهات ضمن موجة متنامية من المبادرات الأهلية المشابهة التي ظهرت في عدة مدن سعودية، وتسعى إلى تعويض الفجوة في فضاءات القراءة المتخصصة بالأطفال. ورغم بساطة الفكرة التي انطلقت منها، فإن تطورها ليصبح حاضنة ثقافية يعكس أن المبادرات الصغيرة يمكن أن تتحول مع الوقت إلى مؤسسات مؤثرة، عندما تستند إلى احتياج حقيقي في المجتمع، وتُدار بروح تطورية مستمرة.

ويشير متابعون إلى أن هذا النوع من المبادرات يفتح المجال أمام نموذج جديد للقراءة المجتمعية، يُبنى من الأسفل، ويرتبط بهموم الناس اليومية، بدلاً من انتظار حلول رسمية قد تتأخر.

الخلاصة

لم تعد «نقش» مجرد مشروع لتوصيل الكتب إلى المنازل، بل باتت تجربة ثقافية متكاملة تعيد تعريف علاقة الأطفال والأسر بالقراءة في سيهات وضواحيها. واللافت أن قصتها تذكّر بأن المبادرات الأهلية الصغيرة، حين تُدار بوعي ومرونة، قادرة على ترك أثر واسع يمتد إلى ما هو أبعد من الكتاب نفسه.

إذا كنت من سكان المنطقة الشرقية وتبحث عن فضاء ثقافي قريب لأطفالك، يمكنك متابعة حسابات «نقش» على منصات التواصل الاجتماعي للتعرّف على مواعيد الورش والفعاليات القادمة، أو التواصل المباشر مع القائمين عليها لمعرفة طريقة الانضمام إلى عضويتها أو التطوّع ضمن أنشطتها الموسمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى